مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
112
موسوعه أصول الفقه المقارن
والكراهة في هذه المرحلة ، بل نُسب ذلك إلى الأشعرية أيضاً ، رغم اعتقادهم بجواز التكليف بغير المقدور ؛ لأنّه هنا من التكليف غير المقدور « 1 » . وأورد على نسبة ذلك إلى الأشعرية : أولًا : أنّ التكليف بالمحال يؤول إلى التكليف المحال ؛ لأنّ طلب المحال لابدّ أن يكون مسبوقاً بإرادة المحال ، وهي لا تتحقق في نفس المولى ، فيرجع طلب المحال إلى الطلب المحال ، ولا معنى للتفكيك بين الطلبين . وثانياً : أنّ الأشعرية وإن كانوا يعتقدون بعدم إمكان اجتماع الحب والبغض في شيء واحد ، إلّاأ نّهم لايمانعون من صدور الأحكام الشرعية جزافاً من دون حب أو بغض ، فلا يكون التكليف محالًا باعتقادهم ليضطروا إلى الالتزام بعدم الاجتماع « 2 » ، ولو كانوا ملتزمين حقاً بذلك فقد تكون له أسباب أخرى غير مسألة الطلب المحال . 4 - مرحلة التنجّز : وهي مرحلة وصول الحكم إلى المكلّف وتنجزّه في حقه ، فاجتماع الحكمين في هذه المرحلة يستلزم التكليف بالمحال ؛ لعدم تمكّن المكلّف من امتثالهما معاً « 3 » . اجتماع الحكمين المتماثلين كما لا يجتمع حكمان تكليفيان على فعل واحد ، كذلك لا يجتمع فردان من حكم واحد ، كاجتماع وجوبين أو حرمتين ؛ لاستلزام ذلك اللغوية « 4 » ، واجتماع إرادتين على مراد واحد ، والإرادة لا تتكرر ، وإنّما تقوى وتشتد ، ويتأكد الحكم ويقوى فيها بدلًا من أن يتعدد ، كما في صلاة الظهر التي تجب بملاك نفسها وبملاك توقف صلاة العصر عليها ، فهي ذات ملاكين يندك أحدهما في الآخر ، فيقوى الملاك ويتأكد الوجوب . واجتماع الحكمين بهذا المعنى ممّا لا إشكال فيه بنظر الأعلام « 5 » ؛ لعدم استلزامه المحاذير المذكورة في مراحل الحكم ، بل ذهب المحقّق الأصفهاني إلى أنّه لا معنى للتحدث عن جريان محذور اجتماع المثلين في الأحكام الشرعية التي هي من الأمور الاعتبارية ؛ لأنّه إنّما يجري في الأعيان الخارجية ؛ وذلك بنفس بيانه المتقدم في نفي التضاد بين الأحكام « 6 » . الأمر الثاني : التنافي بين الأحكام الظاهرية إلى هنا كان الكلام حول التنافي بين الأحكام الواقعية واستحالة الجمع بينها ، وأمَّا الأحكام الظاهرية فالحكم عليها بذلك يختلف باختلاف المبنى في تصوير الحكم الظاهري ، والتوفيق بينه وبين الأحكام الواقعية ، فإن أخذنا بوجهة النظر القائلة بأنَّ مبادئ الحكم الظاهري ثابتة في نفس جعله لا في متعلقه ، أمكن جعل حكمين ظاهريين بالإباحة والحرمة معاً ، بشرط أن لايكونا واصلين معاً إلى المكلّف ؛ لعدم التنافي بينهما في هذه الحالة لا بلحاظ نفس الجعل باعتباره مجرد اعتبار ، ولا بلحاظ المبادئ لتعدُّد مركزها ، لأنّ مبادئ كلّ حكم في نفس جعله لا في متعلقه ، ولا بلحاظ عالم الامتثال والتنجيز والتعذير ؛
--> ( 1 ) . انظر : نهاية الأصول 1 - 2 : 252 ، محاضرات في أصول الفقه 4 : 164 . ( 2 ) . تحريرات في الأصول 4 : 114 . ( 3 ) . محاضرات في أصول الفقه 4 : 247 - 249 . ( 4 ) . حقائق الأصول 2 : 21 ، مستمسك العروة الوثقى 1 : 33 . ( 5 ) . محاضرات في أصول الفقه 2 : 299 - 300 ، دروس في علم الأصول 1 : 178 . ( 6 ) . نهاية الدراية 2 : 311 - 313 ، وانظر : حاشية كتاب المكاسب 4 : 61 .